ابن كثير
284
البداية والنهاية
وفيها خرج الملك الظاهر في عساكره فقصد بلاد الساحل لقتال الفرنج ففتح قيسارية في ثلاث ساعات من يوم الخميس ثامن ( 1 ) جمادى الأولى يوم نزوله عليها ، وتسلم قلعتها في يوم الخميس الآخر خامس عشره فهدمها وانتقل إلى غيرها ، ثم جاء الخبر بأنه فتح مدينة أرسوف وقتل من بها من الفرنج وجاءت البريدية بذلك ( 2 ) . فدقت البشائر في بلاد المسلمين وفرحوا بذلك فرحا شديدا . وفيها ورد خبر من بلاد المغرب بأنهم انتصروا على الفرنج وقتلوا منهم خمسة وأربعين ألفا ، وأسروا عشرة آلاف ، واسترجعوا منهم ثنتين وأربعين بلدة منها برنس وإشبيلية وقرطبة ومرسية ، وكانت النصرة في يوم الخميس رابع عشر رمضان سنة ثنتين وستين . وفي رمضان من هذه السنة شرع في تبليط باب البريد من باب الجامع إلى القناة التي عند الدرج وعمل في الصف القبلي منها بركة وشاذروان . وكان في مكانها قناة من القنوات ينتفع الناس بها عند انقطاع نهر ماناس فغيرت وعمل الشاذروان ، ثم غيرت وعمل مكانها دكاكين . وفيها استدعى الظاهر نائبه على دمشق الأمير آقوش ، فسار إليه سامعا مطيعا ، وناب عنه الأمير علم الدين الحصني حتى عاد مكرما معزوزا . وفيها ولى الظاهر قضاة من بقية المذاهب في مصر مستقلين بالحكم يولون من جهتهم في البلدان أيضا كما يولى الشافعي ، فتولى قضاء الشافعية التاج عبد الوهاب ابن بنت الأعز ، والحنفية شمس الدين سليمان ، والمالكية شمس الدين السبكي ، والحنابلة شمس الدين محمد المقدسي ، وكان ذلك يوم الاثنين الثاني والعشرين من ذي الحجة بدار العدل ، وكان سبب ذلك كثرة توقف القاضي ابن بنت الأعز في أمور تخالف مذهب الشافعي ، وتوافق غيره من المذاهب ، فأشار الأمير جمال الدين أيد غدي العزيزي على السلطان بأن يولي من كل مذهب قاضيا مستقلا يحكم بمقتضى مذهبه ، فأجابه إلى ذلك ، وكان يحب رأيه ومشورته ، وبعث بأخشاب ورصاص وآلات كثيرة لعمارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرسل منبرا فنصب هنالك . وفيها وقع حريق عظيم ببلاد مصر واتهم النصارى فعاقبهم الملك الظاهر عقوبة عظيمة ( 3 ) . وفيها جاءت الاخبار بأن سلطان التتار هولاكو هلك إلى لعنة الله وغضبه في سابع ( 4 ) ربيع الآخر بمرض الصرع بمدينة مراغة ، ودفن بقلعة تلا وبنيت عليه قبة واجتمعت التتار على ولده
--> ( 1 ) في الروض الزاهر : ص 230 : تاسع . ( 2 ) نزل بها مستهل جمادى الآخرة . ( 3 ) قال في بدائع الزهور 1 / 1 / 324 : أمر بجمع سائر النصارى من مصر والقاهرة فلما جمعوا أمر بحرقهم ، فشفع بهم اقطاي المستعرب فرسم السلطان أن يوردوا إلى الخزائن الشريفة خمسين ألف دينار وأن يصلحوا ما قد فسد من الدور التي احترقت . ( 4 ) في تاريخ أبي الفداء : تاسع عشر ، وفي بدائع الزهور ذكر وفاته سنة 661 ه .